المقريزي
76
المقفى الكبير
بأرضهم ، فكتب صاحب البريد بخبرهم ، وأنّهم قتلوا عدّة من المسلمين ممّن يعملون في المعادن فهرب المسلمون من أرضهم خوفا على أنفسهم . فشاور المتوكّل في أمرهم ، فذكر أنّهم أهل بادية أصحاب إبل وماشية ، وأنّ الوصول إلى بلادهم صعب لأنّها مفاوز ، وبينها وبين بلاد الإسلام مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة ، وأنّ من يدخلها من الجيوش يحتاج أن يزوّد لمدّة أشهر حتى يخرج منها . فإن جاوز تلك المدّة هلك وأخذتهم البجّة باليد ، وأنّ أرضهم لا تردّ على السلطان شيئا . فأمسك المتوكّل عنهم ، فطمعوا وزاد شرّهم ، حتى خاف أهل الصعيد على أنفسهم منهم . فبعث القمّيّ إلى محاربتهم ، فلمّا قدم على عنبسة قام له بما يحتاج إليه . وسار إلى أرض البجّة ، وتبعه ممّن يعمل في المعادن ، ومن المطوّعة عالم كبير ، بلغت عدّتهم نحو العشرين ألفا ، ما بين فارس وراجل . ووجّه إلى القلزم فحمل له في البحر سبع مراكب موقّرة بالدقيق والزيت والتمر والسويق والشعير . وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل البحر ممّا يلي بلاد البجّة . ومضى حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب ، وسار إلى حصونهم وقلاعهم . فخرج إليه ملكهم علي بابا في جيش كثير أضعاف من مع القمّيّ ، وهم على إبل فرهة تشبه المهاري . فتحاربوا أيّاما ، ولم يصدقهم علي بابا القتال لتطول الأيّام وتفنى أزواد المسلمين وعلوفتهم فيأخذهم بغير حرب . فأقبلت المراكب التي فيها الأقوات في البحر ، ففرّق القمّيّ ما فيها على أصحابه فاتّسعوا . فلمّا رأى علي بابا ذلك قصدهم وصدقهم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا . وكانت إبلهم ذعرة تنفر من كلّ شيء . فلمّا رأى القمّيّ ذلك جمع كلّ جرس في عسكره وجعلها في أعناق خيله ، وحمل على البجّة فنفرت إبلهم [ 63 أ ] من أصوات الأجراس ومرّت على الجبال والأودية . وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون حتى أدركهم الليل . [ وذلك أوّل سنة إحدى وأربعين ومائتين ] « 1 » . فرجعوا إلى معسكرهم . ولم يقدر القمّيّ على إحصاء القتلى لكثرتهم . فطلب علي بابا الأمان ، فأمّنه القمّيّ على أن يؤدّي ما عليه . فحمل إليه الخراج للمدّة التي منعها ، وهي أربع سنين . وسار عنهم إلى مصر ، وعاد إلى بغداد ، ومعه على بابا ، وقد استخلف ابنه . فلمّا دخل على المتوكّل خلع عليه وعلى أصحابه الديباج . وولّى المتوكّل سعد الخادم [ الإيتاخيّ ] البجّة وطريق ما بين مصر ومكّة . فولّى سعد محمّد القمّيّ ذلك . فعاد إليها ومعه علي بابا ، وهو على دينه ، ومعه صنم من حجارة كهيئة الصبيّ يسجد له . فنزل القمّيّ أسوان وأقام بها مدّة ، ومات في [ . . . ] . 2594 - موفّق الدين الحمزيّ [ 612 - 694 ] [ 63 ب ] محمد بن عبد المنعم بن جماعة بن محمد بن ناصر بن محمد ، موفّق الدين ، أبو عبد اللّه ، ابن صائن الدين أبي محمد ، الحمزيّ - نسبة إلى حمزة بن عبد المطّلب رضي اللّه عنه . جدّه من مدينة القدس ، وأبوه من جمّاعيل . سمع من أبيه ، ومن أبي بكر ابن باقا ، وأبي محمد عبد القادر ابن البغداديّ ، وأبي الحجّاج يوسف بن جبريل بن جميل القيسيّ ، وأبي الحسن ابن الصابونيّ .
--> ( 1 ) الزيادة من الكامل 7 / 78 .